سيد قطب

1237

في ظلال القرآن

وجدية الآخرة ، وفردية التبعة والابتلاء في دار الدنيا . وسلطان اللّه المتمثل في ربوبيته لكل شيء ؛ وفي استخلافه للعباد في ملكه كيف شاء بلا شريك ولا معقب . . كما ترسم تلك التسبيحة المديدة صورة باهرة لحقيقة الألوهية ، وهي تتجلى في أخلص قلب ، وأصفى قلب ، وأطهر قلب . . قلب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - . . وذلك في مستوى من التجلي لا يصوره إلا التعبير القرآني ذاته : « قُلْ : إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُلْ : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ . قُلْ : أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ؛ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ، إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » . . ونكتفي هنا بهذا القدر من الحديث المجمل ، لنأخذ في مواجهة النصوص بالتفصيل : « ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ، وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ » . . هذا الكلام معطوف بثم على ما قبله . . وتأويله : « قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً . . » « وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً » . . معطوفة على جملة : ألا تشركوا . . « ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ . . » معطوف عليهما كذلك باعتباره من القول الذي دعاهم ليقوله لهم - صلى اللّه عليه وسلم - فالسياق مطرد كما أسلفنا . وقوله « تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ » . . تأويله - كما اختار ابن جرير - : « ثم آتينا موسى التوراة تماما لنعمنا عنده ، وأيادينا قبله ، تتم به كرامتنا عليه ، على إحسانه وطاعته ربه ، وقيامه بما كلفه من شرائع دينه ، وتبيينا لكل ما بقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم » . . وقوله : وتفصيلا لكل شيء . كما قال قتادة : فيه حلاله وحرامه . وهدى ورحمة لعل قومه يهتدون ويؤمنون بلقاء ربهم فيرحمهم من عذابه . . . . هذا الغرض الذي من أجله آتينا موسى الكتاب ، جاء من أجله كتابكم ، لعلكم تنالون به الهدى والرحمة : « وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ، فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » . . وإنه لكتاب مبارك حقا - كما فسرنا ذلك من قبل عند ورود هذا النص في السورة أول مرة : « وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ « 1 » » . . ( الآية : 92 ) . . وكان ذكر هذا الكتاب هناك بمناسبة الحديث عن العقيدة في مجالها الشامل ؛ وهو هنا يذكر بمناسبة الحديث عن الشريعة بنص مقارب ! ويؤمرون باتباعه ؛ وتناط رحمتهم من اللّه بهذا الاتباع . والكلام هنا بجملته في معرض الشريعة ، بعد ما تناولته أوائل السورة في معرض العقيدة .

--> ( 1 ) الجزء السابع ص 1147 .